محمد حسين الذهبي

146

التفسير والمفسرون

امتدت من العصر العباسي إلى يومنا هذا ، فبعد أن كان تدوين التفسير مقصورا على رواية ما نقل عن سلف هذه الأمة ، تجاوز بهذه الخطوة الواسعة إلى تدوين تفسير اختلط فيه الفهم العقلي بالتفسير النقلي ، وكان ذلك على تدرج ملحوظ في ذلك . تدرج التفسير العقلي : بدأ ذلك أولا على هيئة محاولات فهم شخصي ، وترجيح لبعض الأقوال على بعض ، وكان هذا أمرا مقبولا ما دام يرجع الجانب العقلي منه إلى حدود اللغة ودلالة الكلمات القرآنية . ثم ظلت محاولات هذا الفهم الشخصي تزداد وتتضخم ، متأثرة بالمعارف المختلفة ، والعلوم المتنوعة ، والآراء المتشعبة ، والعقائد المتباينة ، حتى وجد من كتب التفسير ما يجمع أشياء كثيرة ، لا تكاد تتصل بالتفسير إلا عن بعد عظيم . دونت علوم اللغة ، ودون النحو والصرف ، وتشعبت مذاهب الخلاف الفقهي ، وأثيرت مسائل الكلام ، وظهر التعصب المذهبى قائما على قدمه وساقه في العصر العباسي ، وقامت الفرق الإسلامية بنشر مذاهبها والدعوة إليها ، وترجمت كتب كثيرة من كتب الفلاسفة ، فامتزجت كل هذه العلوم وما يتعلق بها من أبحاث بالتفسير « 1 » حتى طغت عليه ، وغلب الجانب العقلي

--> ( 1 ) وكان السبب في مزج هذه العلوم بالتفسير ما يأتي : أولا - في العلوم الأدبية : ضعف السليقة العربية ؛ لاختلاط العرب بالعجم ؛ فاحتيج إلى مزج هذه العلوم بالتفسير لفهم ألفاظ القرآن ؛ والوقوف على بلاغته التي تعتبر أهم نواحي إعجازه . ثانيا - في العلوم الكونية : ما ترجمه العلماء في إبان شوكة الإسلام من كتب الفلاسفة ، فاحتاجوا إلى مزجها بالتفسير لتأييدها أو الرد عليها . ثالثا - في العلوم الكلامية : ظهور الفرق الاسلامية ؛ واستدلال كل طائفة منها ببعض آيات القرآن الكريم على ما تذهب إليه ، فاضطر العلماء إلى الكلام على ذلك في التفسير ؛ ليميزوا المقبول من المردود ، وما يدل عليه القرآن مما لا يدل عليه .